فخر الدين الرازي
319
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والمراد من قوله تعالى لموسى : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [ طه : 14 ] وقيل : إنه كانت صلاتهم ونحرهم للصنم فقيل له : لتكن صلاتك ونحرك للّه . الفائدة الثانية : كأنه تعالى يقول : ذكر في السورة المتقدمة أنهم كانوا يصلون للمراءاة فصل أنت لا للرياء لكن على سبيل الإخلاص . المسألة الخامسة : الفاء في قوله : فَصَلِّ تفيد سببية أمرين أحدهما : سببية العبادة كأنه قيل : تكثير الإنعام عليك يوجب عليك الاشتغال بالعبودية والثاني : سببية ترك المبالاة كأنهم لما قالوا له : إنك أبتر فقيل له : كما أنعمنا عليك بهذه النعم الكثيرة ، فاشتغل أنت بطاعتك ولا تبال بقولهم وهذيانهم . واعلم أنه لما كانت النعم الكثيرة محبوبة ولازم المحبوب محبوب ، والفاء في قوله : فَصَلِّ اقتضت كون الصلاة من لوازم تلك النعم ، لا جرم صارت الصلاة أحب الأشياء للنبي عليه الصلاة والسلام فقال : « وجعلت قرة عيني في الصلاة » و لقد صلى حتى تورمت قدماه ، فقيل له : أوليس قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال : « أفلا أكون عبدا شكورا » فقوله : « أفلا أكون عبدا شكورا » إشارة إلى أنه يجب على الاشتغال بالطاعة بمقتضى الفاء في قوله : فَصَلِّ . المسألة السادسة : كان الأليق في الظاهر أن يقول : إن أعطيناك الكوثر فصل لنا وانحر لكنه ترك ذلك إلى قوله : فَصَلِّ لِرَبِّكَ لفوائد إحداها : أن وروده على طريق الالتفات من أمهات أبواب الفصاحة وثانيها : أن صرف الكلام من المضمر إلى المظهر يوجب نوع عظمة ومهابة ، ومنه قول الخلفاء لمن يخاطبونهم : يأمرك أمير المؤمنين ، وينهاك أمير المؤمنين وثالثها : أن قوله : إِنَّا أَعْطَيْناكَ ليس في صريح لفظه أن هذا القائل هو اللّه أو غيره ، وأيضا كلمة إِنَّا تحتمل الجمع كما تحتمل الواحد المعظم نفسه ، فلو قال : صل لنا ، لنفي ذلك الاحتمال وهو أنه ما كان يعرف أن هذه الصلاة للّه وحده أم له ولغيره على سبيل التشريك ، فلهذا ترك اللفظ ، وقال : فَصَلِّ لِرَبِّكَ ليكون ذلك إزالة لذلك الاحتمال وتصريحا بالتوحيد في الطاعة والعمل للّه تعالى . المسألة السابعة : قوله : فَصَلِّ لِرَبِّكَ أبلغ من قوله : فصل للّه لأن لفظ الرب يفيد التربية المتقدمة المشار إليها بقوله : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ويفيد الوعد الجميل في المستقبل أنه يربيه ولا يتركه . المسألة الثامنة : في الآية سؤالان : أحدهما : أن المذكور عقب الصلاة هو الزكاة ، فلم كان المذكور هاهنا هو النحر ؟ والثاني : لما لم يقل : ضح حتى يشمل جميع أنواع / الضحايا ؟ والجواب : عن الأول ، أما على قول من قال : المراد من الصلاة صلاة العيد ، فالأمر ظاهر فيه ، وأما على قول من حمله على مطلق الصلاة ، فلوجوه أحدها : أن المشركين كانت صلواتهم وقرابينهم للأوثان ، فقيل له : اجعلهما للّه وثانيها : أن من الناس من قال : إنه عليه السلام ما كان يدخل في ملكه شيء من الدنيا ، بل كان يملك بقدر الحاجة ، فلا جرم لم تجب الزكاة عليه ، أما النحر فقد كان واجبا عليه لقوله : « ثلاث كتبت علي ولم تكتب على أمتي ؛ الضحى والأضحى والوتر » وثالثها : أن أعز الأموال عند العرب هو الإبل فأمره بنحرها وصرفها إلى طاعة اللّه تعالى تنبيها على قطع العلائق النفسانية عن لذات الدنيا وطيباتها ، روي أنه عليه السلام أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب فنحر هو عليه السلام حتى أعيا ، ثم أمر عليا عليه السلام بذلك ، وكانت النوق يزدحمن على رسول اللّه ،